محمد بن علي الشوكاني
505
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وقال : } بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى { ( 1 ) . ونصوص القرآن الحاكية عن اليهود والنصارى ، وسائر الملل مثل هذا كثيرة جدا ، ولا يتسع المقام لبسطها ، وقد بعث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأهل الملة اليهودية والنصرانية في أكثر بقاع الأرض ، وبلغهم ما حكاه القرآن عن أنبيائهم من إثبات المعاد ، وإثبات النعيم الجسماني والروحاني ، ولم يسمع عن أحد منهم أنه أنكر ذلك ، أو قال هو خلاف ما في التوراة والإنجيل . وقد نزل أكثر القرآن على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المدينة ، وكان اليهود متوافرين فيها وفيما حولها من القرى المتصلة بها ، وكانوا يسمعون ما ينزل من القرآن ، ولم يسمع أن قائلا منهم قال للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنك تحكي عن التوراة ما لم يكن فيها من البعثة ، وما أعده الله في الدار الآخرة من النعيم للمطيعين ، والعذاب للعاصين ، وقد كانوا يودون أن يقدحوا في النبوة المحمدية بكل ممكن . بل كانوا في بعض الحالات ينكرون وجود ما هو موجود في التوراة كالرجم ( 2 ) ، فكيف سكتوا عن هذا الأمر العظيم ، وهل كانوا يعجزون أن يقولوا عند سماعهم لقوله تعالى :
--> ( 1 ) [ الأعلى : 16 - 19 ] . ( 2 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم ( 6841 ) ومسلم رقم ( 26 / 1699 ) من حديث ابن عمر أنه قال : إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ " فقالوا : نفضحهم ويجلون . قال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم قالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمرهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرجما ، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة " .